حيدر حب الله

62

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

فلاحظ ما يُشبه هذه الجملة ويحاكيها ، هل تفهم منه الدلالة على الشمول للمستقبل الزماني أو لا ؟ مثل أن يقول الوالد لولده : لقد رضيت عنك إذ أعطيت المال لأخيك ، أو يقال : لقد رضي زيدٌ عن عمرو إذ ينصُر المظلوم ، فهل ترى أنّ عرف أهل اللغة يفهمون أنها إثبات الرضا المطلق في المستقبل أو يفهمون أنّه الآن راضٍ عنه نتيجة فعله هذا وفي ظرف فعله هذا ، مع السكوت الإيجابي أو السلبي عن المستقبل ؟ ويتعزّز هذا الأمر بما ذكره بعضهم « 1 » في الإيراد على الاستدلال بالآية هنا ، من أنّه لابدّ من ضمّها إلى آية أخرى وردت في البيعة نفسها ، وهي قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) ( الفتح : 10 ) ، فهذه الآية تدلّ على أنّ هناك فريقين في المبايعين ، ولا أقلّ من أنّ الآية تثير في ذهننا صورةً لفريقين : أحدهما الناكثون ، والآخر الموفون بالعهد ، ولو كان جميع الذين بايعوا تحت الشجرة موفون بعهدهم فأيّ ضرورة لإثارة هذه القضيّة في حقّهم ؟ بل ربما يتأيّد ذلك أيضاً - كما ذكر بعضهم « 2 » - بأنّ القرآن لم يجعل الوفاء بالعهد شاملًا لكلّ المؤمنين ، حيث قال : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) ( الأحزاب : 23 ) ، فلو كان كلّ المؤمنين ممّن صدقوا العهدَ ، لما كانت هناك حاجة ل - ( من ) في مطلع الآية الكريمة . قد تقول : إنّ الآية المستدلّ بها على حُسن حال الصحابة هنا تُعلّق حديثها على المؤمنين ، أمّا هذه الآية ( الفتح : 10 ) ، فتعلّقه على مطلق المبايعين دون توصيفهم بالمؤمنين .

--> ( 1 ) انظر : المازندراني ، شرح أصول الكافي 4 : 286 ؛ وبحار الأنوار 20 : 354 ؛ وتقريب المعارف : 381 ؛ والميلاني ، الصحابة : 32 - 33 ؛ والسبحاني ، الإلهيّات 4 : 445 - 446 . ( 2 ) علي بن يونس العاملي ، الصراط المستقيم 1 : 197 - 198 ؛ وإحقاق الحقّ ( الأصل ) : 267 ؛ والتنكابني ، سفينة النجاة : 145 .